نظمي النصر .. “الكيميائي” الذي طوّر أكبر حقل نفطي في العالم

جدة- عين اليوم

حين كانت ثانوية الدمام الأولى تقرع  أجراسها مؤذنة انطلاق حصة جديدة من العلم والمعرفة لم يكن الفتى نظمي النصر يتأخر عن الالتحاق بها في أحد فصول الدراسة الواقع بمدينة الدمام حاضرة المنطقة الشرقية، العائمة على بحر من النفط شرق السعودية.

رفقاء الفسحة والانصراف والاستذكار كانوا يستقلّون حافلة مدرسية تذهب مع إشراقة كل صباح من سيهات إلى الدمام وهي تحمل 40 طالبًا يشحذون هممهم ويأملون في حصد التفوق والدرجات العليا.

في منتصف سبعينيات القرن الماضي أشهر نظمي النصر سلاح المثابرة ليمضي في طرقات الحياة، قبل أن يتسلّم درجة البكالوريوس في تخصص الهندسة الكيميائية عام 1978م من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران.

الشاب الطموح صنع مظلة قُدّت من صبر لتحمي رأسه من تصاريف الأقدار، وفي ذات العام انضم إلى أرامكو السعودية حيث أمضى السنوات الثلاث الأولى من تعيينه موظفاً في إدارة الخدمات الهندسية.

حين سلّم نظمي النصر خطاب تعيينه إلى مديره الأمريكي “الضخم” داخل بقعة صحراء تتلظى من لهيب أشعة الكائن البرتقالي انتابته رهبة البداية بعد أن أخذ مديره يتجاهله حينًا ويقسو عليه في أخرى ، وبالرغم من أن نظمي أراد شرح سوء الفهم الذي حدث باعتبار الوظيفة لا تناسب تخصصه العلمي إلا أن جورج براون قال بصرامة  ” أنت صفر كبير ، أنت لا شيئ، اجتهد ، اذهب إلى الموقع واعمل ، الحياة تعلم”.

رسخ الموقف في عقل المهندس الكيميائي وصبر بتفرّد وغيّر حياته وصنع شخصيةً اتكأ عليها في مستقبل أيامه.

برهن المهندس على تميزه وإمكانياته ليبدأ العمل في عام 1981م على تنفيذ شبكة الغاز الرئيسة في السعودية ، وهو برنامج يهدف إلى توفير الإمدادات للصناعات البتروكيماويّة في مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين، قبل أن يتم ترقيته إلى منصب مدير مشاريع، متولياً مسؤوليّة كافة البرامج الرئيسة لحقل الغوار للزيت في منتصف الثمانينات.

لم يفارق الرقم “صفر” عقل مدير المشروع العملاق لبرنامج تطوير حقل الشيبة، إذ ظل يحتفظ بذلك الرقم كوقود يتزوّد به، ليرفع من وتيرة عمله وتتسارع الأرقام والإنجازات في الحقل الكبير، ويعتقد نظمي النصر أن هذا المشروع غير حياته بأكملها إذ يقول في هذا الصدد:” تغيرت حياتي وثقتي بنفسي ومركزي ،هذا المشروع الذي كان وسط الربع الخالي ويبعد أقرب طريق مسفلت عنه بـ500 كم وبأقسى مناطق العالم تضاريسيًا وجغرافيًا شكّل تحديًا عظيمًا “، ويضيف :” طُلب تنفيذ المشروع بسرعة قياسية وكان تحدياً للشركة، ولي على الصعيد الشخصي ، بل لنا كسعوديين ، وبحمد الله تم المشروع بميزانية أقل وقبل وقته وبنجاح باهر، بل إن هذا المشروع غيّر طريقة تطوير حقول النفط في العالم”.

. أردف بعدها المنجز بآخر ليتولى إدارة التخطيط العام للشركة كمدير لقسم التخطيط طويل المدى مع إعداد استراتيجيات أرامكو وخطط أعمالها.

مسؤوليات الرجل تكاثرت إذ عُيّن في 2003م عضوًا منتدبًا لاحدى الشركات المتفرعة من أرامكو السعودية ، وبعدها بعام فقط تسلم مهام المدير التنفيذي لخدمات أحياء السكن.

استطاع نظمي النصر أن يحوز على ثقة القيادة السعودية بعد أن عيّنه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز عضوًا بمجلس الأمناء لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني. ثم عضوًا في الهيئة الاستشارية بالمجلس الاقتصادي الأعلى السعودي ، وكان النصر نائباً للرئيس التنفيذي للشؤون الإدارية والمالية في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، ولم تكتفِ الجامعة بذلك بل استعانت بقدراته كرئيس مكلّف لمركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية.

برع المهندس نظمي النصر خلال 35 عامًا في العديد من المسؤوليات التي تولاها ، وتقلّد بها أرفع المناصب ، بدأها كمهندس وانتهت بنائب للرئيس في عملاق النفط أرامكو السعودية. وعمل لسنوات طويلة مع الشركات الدولية الهندسية والاستشارية في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وهولندا، واليابان.

مشوار نظمي النصر في أيقونة النفط العالمية أرامكو السعودية حاز على إشادة وزير البترول السابق علي النعيمي الذي كتب عن النصر في مؤلّفه الشهير “من البادية إلى عالم النفط” قائلاً: ” كلفنا نظمي النصر بإدارة فريق عمل الشيبة، ينتمي نظمي إلى جيل أرامكو الثالث فقد تزاملنا أنا ووالده في الشركة ،وترقينا معاً خلال سنوات العمل” ، وأسهب النعيمي بالحديث عن العمل الكبير في مشروع حقل الشيبة ، مبينًا دور نظمي النصر في خفض تكاليف المشروع إلى ما دون الأربعة مليار دولار.

يُعد المهندس نظمي النصر أحد رموز الاعتدال الشيعي في السعودية ودائماً ما يؤكد في مقالاته وأحاديثه التلفزيونية على التسامح والمحبة الذي يفترض أن يربط مكونات المجتمع ، ويدعو باستمرار إلى أن نحرر ذواتنا من ما وصفه بالثالوث القاتل “الطائفية والقبلية والمناطقية”.

أوجز الأب لأربع أبناء الأمر في قوله:” لا بد من طرد العصبية والعنصرية البغيضة ، ببياض الوطنية الحقة الواحدة” . أفبعد ذلك الحديث قول؟ .

 

 



شاركنا برأيك

إضافة تعليق


*
*
*