محمد سعيد فارسي وهوامش القيادة العليا

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في محاضرة ألقاها في أغسطس 1982م بمدارس الثغر، قال محمد سعيد فارسي أمين مدينة جدة، إن انصراف الأمانة نحو تطوير أحياء شمالية لا تبدو للمراقب ذات جدوى أو أولوية، هو نظرة استشرافية لمدينة تشهد معدلات نمو سكاني هائلة تبلغ 14% في العام، هي الأعلى لأي مدينة في العالم. كانت الصحافة قد استبسلت، واشتد الرأي العام ضراوة ضد فارسي في قضية تطوير أحياء جديدة “لا يسكنها أحد”.. لكنه انصرف بفراسة نحو تحقيق رؤيته، حتى كسب مع الزمن تحديه.

محمد سعيد فارسي وهوامش القيادة العليا

استلم محمد سعيد فارسي رئاسة بلدية جدة عام 1972م وهي تركة ثقيلة وفاسدة. حينما عرض الملك فيصل على الشيخ عثمان باعثمان مهمة رئاسة بلدية جدة، اشترط الأخير تسليمه مفتاح المبنى خالياً من موظفيها الذين كانوا لا يحظون بأي تعاطف في الوعي الجمعي للمدينة.

 

استلم محمد سعيد فارسي مدينة جدة وآخر نقطة حضرية لها شمالا هي شارع فلسطين، وما بعدها كان مرتعاً لاصطياد الغزلان والأرانب، فأحدث توسعاً هائلاً في هيكلها العام وأفقها الحضاري.

 

مردّ ذلك تدفقات الطفرة والامتيازات الشخصية التي ظفر بها فارسي من الأمير -والملك- فهد ولم يحظ بها من قبله أي رئيس بلدية سوى عبد الله عريف في مكة.. لكننا لا يمكن أن نغفل بأي حال الهوامش القيادية العُليا في شخصية المهندس محمد سعيد فارسي.

 

كانت جدة لا ترى البحر إلا من أربعة مواقع رمزية، فأعاد محمد سعيد فارسي الأهالي إلى واجهتهم البحرية التاريخية؛ بحر الأربعين، ثم طفق في تطوير واجهة حديثة كانت تنمو طبيعياً أمام قصر الحمراء (الضيافة) في الفسحة التي كان يسميها الأهالي؛ غبّة عشرة.. قبل أن يشق لجدة كورنيشها الحالم بطول 45 كيلو متر، الذي فرضه بقوة شخصيته ودأبه وإقدامه ومواهبه في إقناع المسؤولين وضداً على كل العوائق التمويلية والطبيعية حينها. كان يحزّ في نفسه أن تصد جدة عن البحر، فأدار وجهها نحوه.

 

كان لا يتنازل عن الحلول المبتكرة – مسجلاً في ذلك عشرات قصص النجاح.

 

ولما كان التخطيط وتنفيذ المشاريع في مدينة جدة يأخذ طابعاً ارتجالياً.. دفع باللجنة العليا للتنسيق كحل مبتكر للمأزق البيروقراطي.. تضم في جنباتها البلدية والكهرباء والمياه والهاتف لتنطلق بانسجام وتكثيف زمني ووفق مواصفات جودة أعلى.. وأسس لها جهاز متابعة من مساحين ومهندسين يقفون على تنفيذ الأعمال ويطابقونها بالمواصفات كما يشرفون على الاستشاريين.

 

وفي مشروعه نحو تجميل جدة لم يكلف خزينة الدولة ريالاً واحداً، بل أرغم التجار والشركات الكبرى على التبرع لشراء المقتنيات الفنيّة فيما اندرج وقتها ضمن بند المسؤولية الاجتماعية. وحول السيارات التالفة تعاقد مع إحدى المؤسسات الخاصة للعمل لإزالة السيارات التالفة مقابل تكفلها بإحضار مائتي دباب تستخدمها البلدية ضمن أسطولها.

 

كان حازماً، مرهوب الجناب، قوي الشخصية حد العناد. دخل بالتركتر لإزالة سور مخالف للقنصلية الأمريكية كان يعترض أحد طرقه الجديدة غير عابئ بالعواقب الدبلوماسية. وفي عهده كان لا يجرؤ شخص على التعدي على أراضٍ عامة دون صك أو تصريح. وكان حاسماً إزاء أية مخالفات أما بفرض الغرامات أو التوقيف أو الإقصاء (في 17 مارس 1980 أوقع غرامة قيمتها 50 ألف ريال على شركة سيمنس لقيامها بقطع كابل بجوار إذاعة جدة، وأوقف شركة موريا لمدة 15 يوما وذلك بعد ثبوت مخالفتها لأنظمة السلامة المرورية بعدم وضع إشارات تنبيهية على حفرياتها).

 

كان سباقاً إلى إدخال التقنية في صميم تعاملات إدارته وما تقدمه من خدماتها. في يونيو 1980 أتمّ مشروع تنظيف شوارع جدة آلياً. وكان أول من استخدم الكمبيوتر في إدارته في سبتمبر 1980 تسريعا لمعاملات الجمهور.

 

كان غيوراً على سمعة مدينته بمواصفات الرجل الشرقي. حينما ذاع في الصحف خبر انتشار الطاعون في أحياء جدة، اصطحب الدكتور عباس حمزة مرزوقي مدير الشؤون الصحية حينها، في جولات ميدانية ممتدة حتى تأكد من سلامة المدينة من الوباء. كانت فلسفته في الإشراف الميداني والمباشرة الشخصية قد استمدها من درس لقّنه إياه في بداية حياته الوظيفية، عمر عبدالرحمن عزّام، خبير الأمم المتحدة، الذي عهّدت إليه مهمة تخطيط المدن السعوديةعام 1962- إذ استاء من رغبة محمد سعيد فارسي المهندس حديث العهد حينها في تقليص طلعاته الميدانية لمسح بيانات حواري مكة، منبهاً إياه أن القيادي المتفوق هو ذلك الذي يبدأ من الشارع.

 

تعامل فارسي مع الإعلام تارة بمهارة وبراعة فائقة وتارة برعونة. لكن رُصد عنه تحريضه للصحف وكبار الكتاب للانخراط في حملات تستهدفه شخصياً، رمى منها إلى تحسين شروط البلدية في التفاوض المالي مع الحكومة إزاء خططه التوسعية التي كانت بلا لجام. كان قريياً من النخب والمثقفين، يدمج رؤاهم في كاتلوج البلدية ليصيغ بها خطاب المدينة الحديث وهويتها المتطلعة إلى الأمام.

 

لقد أحدث محمد سعيد فارسي انقلاباً كوبرنيكياً في كيان مدينة جدة وفي حياة أهاليها ووعيهم المعاصر.

 

في حين بقي عناده أحد أكبر معايبه.. أصرّ على تنفيذ مشاريع كباري ضخمة دون أن تتناسب فوائدها مع أكلافها الباهظة. انتزع عقارات الأهالي والسكّان ليمد طرقه السريعة، في تصرف -رغم التعويضات السخيّة حينها- لا يمكن أن تستسيغه ضمائر اليوم. وكان شديد المركزية، مسرف في الخصومة؛ خاض عراكاً شهيراً دون وجه حق مع ربيع دحلان مدير الهاتف أثناء اشتراكهما في اللجنة التنسيقية ولم ينه خصومتها سوى وساطة محمد سعيد طيّب.

 

كان خليطاً من القيادة والاستشراف والعِناد والتهوّر. وهو يستحق -كبانٍ لجدة الحديثة- التوقف عند سيرته العريضة بقضّها وقضيضها لنستلهم منها الدروس والعِبر، خصوصاً مع حالة التردي الموغلة في الضمور التي نعيشها آنياً على مستوى القيادة في الأمانة!

‫0 تعليق

اترك تعليقاً